ابن خلكان

51

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

المصامدة ، فخرجوا إليه ونزلوا عليه ، وأخبره محمد خبرهم وأطلعه على مقصدهم وما جرى لهم عند الملك ، فقال عبد الحق : هذا الموضع لا يحميكم ، وإن أحصن المواضع المجاورة لهذا البلد تين مل ، وبيننا وبينها مسافة يوم في هذا الجبل ، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم ، فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد « 1 » له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر ، فقصده مع أصحابه ، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب العلم ، فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم ، وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه فقيل له : إنهم سافروا ، فسره ذلك وقال : تخلصنا من الإثم بحبسهم . ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم ، وكان قد سار فيهم ذكره ، فجاءوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته ، وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك ، فإن أجابه أضافه إلى خواصه ، وإن خالفه أعرض عنه . وكان يستميل الأحداث وذوي الغرة « 2 » ، وكان ذوو العقل والعلم والحلم من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم « 3 » من سطوة الملك ، فكان لا يتم له مع ذلك حال . وطالت المدة وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل ، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتخلي عنه ، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه ، فرأى بعض أولاد القوم شقرا زرقا ، وألوان آبائهم السمرة والكحل ، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه ، فألزمهم بالإجابة فقالوا : نحن من رعية الملك وله علينا خراج ، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون في بيوتنا ويخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من النساء ، فتأتي الأولاد على هذه الصفة ، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا ، فقال محمد : واللّه إن الموت خير من هذه الحياة ، وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق اللّه بالسيف وأطعنهم بالرمح والحربة ؟ فقالوا : بالرغم لا بالرضا ، فقال : أرأيتم لو أن ناصرا نصركم على

--> ( 1 ) ق والمختار : تحدد . ( 2 ) وكان يستميل . . . الغرة : سقط من ر ق والمختار ؛ بر من : الغرارة . ( 3 ) ت مج بر من : ويخيفونهم .